beta 2 249

قصة «الأب الروحي للضباط الأحرار»: الثورة العربية تنطلق مع طلقة مسدس في مكة (13)


قصة «الأب الروحي للضباط الأحرار»: الثورة العربية تنطلق مع طلقة مسدس في مكة (13)

محمد السيد صالح : بواسطه
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Google+Pin on PinterestShare on TumblrPrint this pageEmail this to someone

كانت مصر فى هذه السنوات وعلى أرض الواقع، مشاركة فى الحرب العالمية الأولى، إلى جوار بريطانيا، وذلك تحت مسمى «إعلان الحماية»، وفى نفس الوقت، كان لدى نسبة عالية من الرأى العام «المتدين» حنين إلى الدولة العثمانية، حامية الإسلام ومقر خليفته، لذلك فإن القاهرة عاشت أجواء متناقضة مع إعلان الدولة العثمانية تحالفها مع ألمانيا وإعلانها الحرب على بريطانيا، تعقد الوضع أكثر مع إعلان الثورة العربية الكبرى التى خططت لها بريطانيا فى الأساس ولكن تم التنفيذ بيد عربية من قلب الحجاز.. بل من مكة المكرمة.

فى سبتمبر ١٩١٦، وصلت الباخرة البريطانية التى كانت تقل عزيز المصرى ولورانس إلى مدينة جدة، واصطفت مجموعة من رجال الشرطة السوريين الذين عينوا حديثاً حرس شرف لاستقبال عزيز المصرى وأداء التحية.. وقد تابع «عزيز» ومن معه من الجنود سفرهم إلى مكة، وعند هذه النقطة يقول عبدالكريم جرادات فى رسالته عن الثورة العربية إن بعض المراجع تذكر أن عزيز المصرى مكث شهراً كاملاً فى مكة دون أن يتمكن من مقابلة «الشريف»، ولكن تبعاً لضغوط رفاقه هناك وافق الشريف حسين على مقابلته، حيث أكد فى بداية الحديث أنه ليس مع إلغاء الرابطة العربية العثمانية، وأوضح الشريف أن ما عليهم إلا أن يعملوا برأيه وهو منع انتشار الأعمال العسكرية بين العثمانيين والبريطانيين فى الحجاز، كما اقترح على الشريف حسين ألا يقطع العلاقات نهائياً مع الإمبراطورية العثمانية وألمانيا.

وقبل الوصول إلى أعمال «عزيز» فى الثورة العربية وعملياتها أقدم وصفاً لمسيرة العمليات فى هذه المرحلة قبل وصوله.. كانت حامية جدة أول حامية تركية استسلمت للعرب بعد إعلان الثورة. فقد بادر أربعة آلاف من رجال القبائل، وأكثرهم من قبيلة حرب بقيادة الشريف محسن بن منصور فى صباح يوم السبت ١٠ يونيو- إلى ضرب نطاق الحصار حول الثكنات التركية فى أطراف البلدة، وحالوا بينها وبين الوصول إلى مصادر المياه العذبة فى وسط البلدة، ولم تستطع الحامية الخروج من ثكناتها لاحتلال البلدة، كما أنها حاولت الزحف نحو مكة ولكن البدو ردوها على أعقابها. وفى ١٣ يونيو اقتربت ثلاث سفن حربية بريطانية من الشاطئ، ودكت ثكنات الترك بقنابل مدافعها حتى اضطرت الحامية إلى الاستسلام بعد ثلاثة أيام.

أما مكة فقد بدأ القتال حولها عندما دخل الشريف يوم ١٠ يونيو من إحدى نوافذ قصره وأطلق رصاصة إيذانا بإعلان الثورة، وفى اليوم الثالث استسلمت دار الحكومة وفيها وكيل الوالى. وظل القتال محتدما بين العرب من جهة وقلعة جياد وثكنة جرول. ووصل الفاروقى قادما من جدة ومعه مدفعان من المدافع التى غنمها العرب، وفى يوم ٢٩ يونيو وصلت ثلاث سفن تحمل بطاريتى مدفعية من المدفعية المصرية بقيادة الأميرلاى سيد على وكميات من العتاد والذخائر، وانتهى الأمر باستسلام ثكنة جرول يوم ٩ يوليو.

أما عن الأعمال التى قام بها عزيز المصرى خلال وجوده فى صفوف الثورة العربية الكبرى، فقد كانت كبيرة وعظيمة، حيث أخذ بكل ما أوتى من همة ونشاط فى خلق نواة جيش مدرب من شعب لا يحمل للنظام والتنسيق إلا الشىء القليل. فقرر أن يكون ميدان عمل عزيز المصرى فى «رابغ» حيث يستطيع القيام بمهمته التى تم تكليفه بها، وهى تشكيل جيش نظامى مدرب وفق أحدث الأساليب والخطط العسكرية، حيث تم اجتماع بينه وبين الأمير على ونورى السعيد وجميع الضباط الذين سبقوه إلى «رابغ».. وفى أول أكتوبر ١٩١٦ تم تشكيل أول حكومة عربية فى الحجاز، حيث نودى بالشريف حسين بن على ملكاً للعرب، وتم تشكيل الحكومة المذكورة كما هو آت: الشيخ عبدالله سراج نائباً لرئيس هيئة الوكلاء، الأمير عبدالله بن الحسين لوكالة الخارجية ويكون وكيلاً عن وكيل الداخلية الأمير فيصل بن الحسين وعبدالعزيز على «المصرى» رئيس أركان حرب ووكيلاً عن وكيل رئاسة الجند مع ترفيع درجته عن رتبته الحاضرة.

وقد أثار تعيين عزيز المصرى فى هذا المنصب- كما يقول «جرادات»- مخاوف البريطانيين حيث قام «ستورز» بتوجيه استفسار للشريف حسين قائلاً: إننى أثق بهذا التعيين وأرجو ألا يعنى إزاحة عزيز المصرى من الجبهة حيث المكان المناسب الذى يجب أن يكون فيه فعالاً وذا فائدة، وقد أجاب الشريف حسين- الملك بعد إعلانه- بأنه سيبقيه فى الجبهة والمقدمة، وأنه سيعين ممثلين عنه فى النقل والتزويد وما إلى ذلك فى مكة وأن رواتبهم ستدفع من قبل الملك نفسه. والواقع أن أوروبا- خاصة إنجلترا وفرنسا- ورغم تفجيرهم للثورة العربية، لم يعارضوا إعلان حكومة الشريف وحسب، بل إنهم عارضوا إعلانه نفسه ملكاً للعرب.

ومن المعروف أن الدولتين لم تعترفا بالشريف إلا ملكاً على الحجاز فقط، كانت العاصمتان لديهما تواصل وعلاقات دافئة مع بقية أمراء وشيوخ المنطقة، وخافتا غضبهم فى هذه الظروف. على أرض الواقع، وبسقوط الطائف فى ٢٩ نوفمبر عام ١٩١٦، أعلن الشريف حسين نفسه ملكاً على العرب ونشرت جريدة «القبلة» التى تصدر فى مكة خبرا بحروف من ذهب عنوانه «يوم العيد الرائع للعرب والإسلام» وذكرت أن مبايعة القبائل للشريف عمل عربى رائع. بعيدا عن هذا الجدل، اجتمع عزيز المصرى بجميع الضباط فى «رابغ» القريبة من مكة، وسمى هذا اللقاء فيما بعد «مؤتمر رابغ العسكرى» فسر خلاله أهداف الثورة العربية كما فهمها والالتزامات التى يجب أن يقوموا بها لتحقيق هذه الأهداف. كما أوضح لهم أن تحقيق الاستقلال الذى ينشدونه يرتب عليهم إنشاء جيش نظامى.

وينقل «جرادات» أن عزيز قال فى ذلك المؤتمر: «إننا لا نحارب رغبة فى الحرب ولا كرهاً بالترك أو حبا بالإنجليز.. بل نحارب من أجل تحرير بلادنا وتأمين استقلالها. فهل تعتقدون أننا نستطيع تحقيق هذه الأمنية بالقوات التى لدينا الآن؟ هل تقبلون أن تدخلوا سوريا بهذا الجيش؟».

ومن الأعمال والأفكار التى قدمها عزيز المصرى فى تلك الفترة ضرورة تقسيم الجيش إلى قسمين، القسم الأول وهو المهم، عليه أن يحارب كبقية الجيوش، والقسم الثانى يتألف من جحفل سيّار مجهز بأسلحة خفيفة تكون مهمته الحركة وراء خطوط الأتراك، وشل حركتهم، بحيث إن القوات التركية لا تستطيع أن تلحق به أضراراً كبيرة، وقد استحسن الأمير فيصل هذه الفكرة وطلب أن يكون هذا الجيش الثانى تحت قيادته، والجيش الأول يكون تحت قيادة أخيه الأمير على.

زاد «عزيز» عدد الجيش، كما قام بتسليم قائمة بمطالبه اللازمة لتجهيزه، واقترح انضمام الأسرى الهنود لجيش الثورة، وكانت الاقتراحات التى يقدمها عزيز المصرى تقابل بالإيجاب والقبول من قبل الأمراء الهاشميين، حتى إذا ما بدأ العمل وبشكل فعلى لتطبيق هذه الاقتراحات كانت تواجه بالعراقيل والصعوبات من قبل أطراف أخرى.

يرى بعض المؤرخين أن السبب فى الخلاف الذى نشب كما يؤكد د. محمد عبدالرحمن برج فى كتابه عن «الحركة العربية» يعود إلى تخوف الشريف حسين من إنشاء قيادة عسكرية مستقلة، كما كان يقترح عزيز المصرى، كتب الكولونيل الإنجليزى ويلسن رسالة إلى الشريف يقترح عليه منح عزيز صلاحيات لإنشاء قوة نظامية، وأن يخصص له ميزانية خاصة (١٥ ألف جنيه) شهريا ينفق منها على إنشاء تلك القوة، ولكن الشريف لم يوافق على ذلك لأنه كان يخشى أن يتكرر معه ما حدث مع السلطان عبدالحميد من انقلاب العسكريين. وقد طلب عزيز من الإنجليز أن يخصصوا له مبلغاً من المال والأسلحة والتجهيزات، وأن يمنحوه صلاحية الاتصال المباشر بهم، وليس عن طريق الشريف من أجل أن يتسنى له إنشاء القوة النظامية اللازمة، ولكن الإنجليز لم يوافقوا على ذلك، وازداد الشقاق بين «عزيز» والشريف، فقد بلغ الأخير أن «عزيز» يبحث مسائل سياسية مع الضباط ويتحدث معهم فى مشروعه القديم القائل بإنشاء دولة ثنائية من الأتراك والعرب، تحت سيادة السلطان، على نحو ما هو معمول به فى النمسا والمجر.

شعر عزيز بالإحباط لعدم تنفيذ مشروعاته ومقترحاته من قبل الشريف «الملك» وبعد أن رفض، وكذلك ابنه فيصل هذه الاقتراحات، عاد إلى القاهرة فى النصف الثانى من نوفمبر ١٩١٦ لتكون قد انتهت فعلياً المرحلة الأولى من مشاركته فى الثورة العربية الكبرى، أما المرحلة الثانية من هذه المشاركة فتبدأ فى ٩ ديسمبر ١٩١٦.. لقد بذل البريطانيون فى مصر أقصى جهودهم لإقناع «المصرى» بالعودة إلى الحجاز فوافق، وضغط لإقناع الملك حسين بإعطاء عزيز المصرى سلطة تنفيذية أكثر من سابقتها، ولكنهم عندما رأوا تردد «حسين» فى هذا الموضوع وجدوا أنه من الأنسب عدم فرض هذا الأمر عليه خوفا من أن يصبحوا مسؤولين عن تصرفات وسلوك المصرى. بعد أسابيع معدودة عاودوا الضغوط لصالح «عزيز».. وبشكل رسمى أصبح وزيراً للحربية فى ١٤ ديسمبر ١٩١٦.. لكن الأمور لم تستقر طويلاً على هذه الجبهة.

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Google+Pin on PinterestShare on TumblrPrint this pageEmail this to someone